الغزالي
145
إحياء علوم الدين
وأنه لا ضرر فيه على المحسود في الدنيا والدين بل ينتفع به فيهما . ومهما عرفت هذا عن بصيرة ، ولم تكن عدو نفسك وصديق عدوك ، فارقت الحسد لا محالة . أما كونه ضررا عليك في الدين . فهو أنك بالحسد سخطت قضاء الله تعالى ، وكرهت نعمته التي قسمها بين عباده ، وعدله الذي أقامه في ملكه يخفى حكمته ، فاستنكرت ذلك واستبشعته . وهذه جناية على حدقة التوحيد ، وقذى في عين الإيمان ، وناهيك بهما جناية على الدين . وقد انضاف إلى ذلك أنك غششت رجلا من المؤمنين ، وتركت نصيحته ، وفارقت أولياء الله وأنبياءه في حبهم الخير لعباده تعالى ، وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا وزوال النعم . وهذه خبائث في القلب ، تأكل حسنات القلب كما تأكل النار الحطب ، وتمحوها كما يمحو الليل النهار وأما كونه ضررا عليك في الدنيا ، فهو أنك تتألم بحسدك في الدنيا ، أو تتعذب به ولا تزال في كمد وغم ، إذ أعداؤك لا يخليهم الله تعالى عن نعم يفيضها عليهم ، فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها ، وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم ، فتبقى مغموما ، محروما ، متشعب القلب ، ضيق الصدر ، قد نزل بك ما يشتهيه الأعداء لك ، وتشتهيه لأعدائك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوك فتنجزت في الحال محنتك وغمك نقدا ، ومع هذا فلا تزول النعمة عن المحسود بحسدك . ولو لم تكن تؤمن بالبعث والحساب ، لكان مقتضى الفطنة . إن كنت عاقلا ، أن تحذر من الحسد لما فيه من ألم القلب ومساءته ، مع عدم النفع . فكيف وأنت عالم بما في الحسد من العذاب الشديد في الآخرة ! فما أعجب من العاقل كيف يتعرض لسخط الله تعالى من غير نفع يناله ، بل مع ضرر يحتمله ، وألم يقاسيه ، فيهلك دينه ودنياه من غير جدوى ولا فائدة وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح . لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدره الله تعالى من إقبال ونعمة ، فلا بد أن يدوم إلى أجل معلوم ، قدره الله سبحانه ، فلا حيلة في دفعه . بل كل شيء عنده بمقدار ، ولكل أجل كتاب . ولذلك شكا نبيّ من الأنبياء ، من امرأة ظالمة مستولية على الخلق ، فأوحى الله إليه فر من قدامها ، حتى تنقضي أيامها . أي ما قدرناه في الأزل لا سبيل إلى تغييره ، فاصبر حتى تنقضي المدة التي سبق القضاء